ابن أبي الحديد
142
شرح نهج البلاغة
وضيق مرصود ، بلبن منضود ، مسقف بجلمود ، وهيل عليه حفره ، وحثى عليه مدره ، وتحقق حذره ، ونسي خبره ، ورجع عنه وليه وصفيه ، ونديمه ونسيبه ، وتبدل به قرينه وحبيبه ، فهو حشو قبر ، ورهين قفر ، يسعى بجسمه دود قبره ، ويسيل صديده من منخره ، يسحق تربة لحمه ، وينشف دمه ، ويرم عظمه حتى يوم حشره ، فنشر من قبره حين ينفخ في صور ، ويدعى بحشر ونشور . فثم بعثرت قبور ، وحصلت سريره صدور ، وجئ بكل نبي وصديق وشهيد ، وتوحد للفصل قدير بعبده خبير بصير ، فكم من زفرة تضنيه ، وحسرة تنضيه ، في موقف مهول ، ومشهد جليل ، بين يدي ملك عظيم ، وبكل صغير وكبير عليم ، فحينئذ يلجمه عرقه ، ويحصره قلقه ، عبرته غير مرحومة ، وصرخته غير مسموعة ، وحجته غير مقولة ، زالت جريدته ، ونشرت صحيفته ، نظر في سوء عمله ، وشهدت عليه عينه بنظره ، ويده ببطشه ، ورجله بخطوه ، وفرجه بلمسه ، وجلده بمسه ، فسلسل جيده ، وغلت يده ، وسيق فسحب وحده ، فورد جهنم بكرب وشدة ، فظل يعذب في جحيم ، ويسقى شربه من حميم ، تشوى وجهه ، وتسلخ جلده ، وتضربه زبنية بمقمع من حديد ، ويعود جلده بعد نضجه كجلد جديد ، يستغيث فتعرض عنه خزنه جهنم ، ويستصرخ فيلبث حقبة يندم . نعوذ برب قدير ، من شر كل مصير ، ونسأله عفو من رضى عنه ، ومغفرة من قبله ، فهو ولى مسألتي ، ومنجح طلبتي ، فمن زحزح عن تعذيب ربه جعل في جنته بقربه ، وخلد في قصور مشيدة ، وملك بحور عين وحفدة ، وطيف عليه بكؤوس ، أسكن في حظيرة قدوس ، وتقلب في نعيم ، وسقى من تسليم ، وشرب من عين سلسبيل ، ومزج له بزنجبيل ، مختم بمسك وعبير ، مستديم للملك ، مستشعر للسرر ، يشرب من خمور ، في روض مغدق ، ليس يصدع من شربه ، وليس ينزف .